الكرسي الرسولي حول التوجهات العالمية والتنمية

"الأزمة الاقتصادية العالمية ما تزال غير مخمدة"

جنيف، الاثنين 13 يوليو 2009 (Zenit.org) – ننشر في ما يلي البيان الذي أدلى به يوم الخميس الفائت رئيس الأساقفة سيلفانو توماسي، ممثل الكرسي الرسولي الدائم لدى الأمم المتحدة في جنيف، خلال الجزء الرفيع المستوى للمجلس الاقتصادي والاجتماعي حول "الاتجاهات العالمية والوطنية الحالية وتأثيرها على التنمية الاجتماعية منها الصحة العامة".

سيدتي الرئيسة،

1. تسعى الأسرة الدولية جاهدة من أجل إيجاد حلول للأزمة المالية والاقتصادية التي سببها الجشع وانعدام المسؤولية الأخلاقية. فيما يناقش المحللون مسببات الأزمة، تؤثر تبعاتها الاجتماعية المتمثلة في الفقر الجديد وفقدان الوظائف وسوء التغذية والتنمية المختنقة على الشعوب الأكثر فقراً وتدعو إلى ردود فعالة وفورية. يقدر وفد الكرسي الرسولي أن التركيز موجه خلال هذا الجزء الرفيع المستوى وفي الوقت المناسب على "الاتجاهات العالمية والوطنية الحالية وتأثيرها على التنمية الاجتماعية منها الصحة العامة". ما تزال الأزمة الاقتصادية العالمية غير مخمدة. وقد زادت حدتها مع ظهور فيروس انفلونزا لم تكن معروفة سابقاً وهي انفلونزا الخنازير الوبائية ذات التأثير المستقبلي الذي لا يمكن توقعه، ومع تفجر أزمة الأمن الغذائي العالمي التي تعرض حياة الملايين للخطر ومنهم بخاصة الأشخاص الأكثر فقراً في العالم الذين يعاني معظمهم من سوء تغذية حادة ومزمنة. هذان المثلان يظهران مجدداً الرابط بين الفقر والصحة والعبء غير المتكافئ على البلدان في طور النمو وحتى على الفقراء في البلدان المتطورة. أمام تحديات عالمية ملحة، يصبح المستقبل مرهوناً بطريقة يخاطر فيها الشباب بوراثة نظام اقتصادي شديد الخطورة ومجتمع غير متماسك وكوكب تضررت استدامته كديار للأسرة البشرية جمعاء.

2. يشير وفد الكرسي الرسولي بقلق شديد إلى توقعات البنك الدولي التي تقول أن عدداً إضافياً يتراوح بين 53 و60 مليون شخص سيعيش في الفقر المدقع خلال سنة 2009 وأن عدد الأشخاص المعانين من الجوع المزمن سيتخطى المليار ويعيش 800 مليون منهم في مناطق ريفية تكون فيها الصحة العامة ضعيفة ومبادرات الرعاية الصحية المبتكرة ملحة. يمكننا الاستنتاج بأن أعداداً كبيرة من الفقراء والجائعين ستكون عرضة للإصابة بأوبئة معدية ومزمنة وأخرى غير معدية. إضافة إلى ذلك، وفي حال انخفضت نسبة المساعدات الدولية أو ارتفع عدد المرضى، فإن أنظمة الصحة العامة الهشة في البلدان في طور النمو لن تتمكن من تلبية الاحتياجات الصحية لمواطنيها الأكثر احتياجاً بطريقة ملائمة. إن معالجة هذه المشكلة لا تكمن فقط في تعبير عن التضامن وإنما هي مسألة عدالة لتخطي إغراء تقليص الخدمات العامة من أجل كسب على المدى القصير مقابل الخسارة البشرية على المدى الطويل. كذلك لا بد من الحفاظ على الإعانات من أجل التنمية وزيادتها لأنها عامل مهم في تجديد الاقتصاد وإخراجنا من الأزمة.

سيدتي الرئيسة،

3. إن العائق الأساسي الآخر الذي يحول دون إنجازنا الأهداف المفصلية الدولية في قطاع الصحة العامة يتمثل في معالجة التفاوت القائم بين البلدان وضمن البلدان، وبين الجماعات العرقية والإتنية. من المفجع أن النساء في العديد من المناطق ما يزلن يتلقين رعاية صحية رديئة. وهذا الوضع واضح للعاملين في هذا الميدان من أفراد ومؤسسات. تقوم الكنيسة الكاثوليكية برعاية 5378 مستشفى و18088 عيادة صحية و15448 داراً للعجزة والمعوقين وغيرها من برامج الرعاية الصحية حول العالم وإنما بخاصة في المناطق الأكثر عزلة وتهميشاً وبين الأشخاص الذين نادراً ما يتمتعون بالحصول على الرعاية الصحية المتوفرة ضمن برامج الصحة الحكومية على الصعيد الوطني أو المحلي. في هذا الصدد، يتم إيلاء اهتمام خاص بإفريقيا حيث تعهدت الكنيسة الكاثوليكية بالاستمرار في مساعدة الشعوب الأكثر فقراً في هذه القارة في سبيل دعم كرامة جميع الأفراد.

4. هناك إقرار متزايد بأن عدة عوامل تساهم ضمن مبدأ الإعانة في تحقيق الحق البشري في الرعاية الصحية الأولية. ففي المجتمع المدني، يبرز الدور الأساسي للمنظمات التي توفر الرعاية الصحية ضمن أنظمة وطنية متعددة، والبرامج التي ترعاها الكنيسة الكاثوليكية والمنظمات العقائدية الأخرى. أقر المسؤولون في منظمة الصحة العالمية أن هذه المنظمات "توفر جزءاً هاماً من الرعاية في البلدان في طور النمو وتساعد شعوباً محتاجة تعيش في ظروف معاكسة" (1). مع ذلك، وعلى الرغم من سجلها الممتاز والموثق في مجال توزيع خدمة معالجة فيروس نقص المناعة المكتسبة والرعاية الصحية الأولية، إلا أن المنظمات العقائدية لا تتلقى قسماً منصفاً من الموارد المخصصة لدعم مبادرات الصحة العالمية والوطنية والمحلية.

5. إن التعقب الكمي للمساعدات وتضاعف مبادرات الصحة العالمية لا يكفيان وحدهما لتوفير "الصحة للجميع". فالحصول على الرعاية الصحية الأولية والأدوية المستخدمة لإنقاذ الحياة أساسي لتحسين الصحة العالمية وتعزيز تلبية عالمية مشتركة للاحتياجات الأساسية للجميع. ففي عالم مترابط بشكل متزايد، حتى الأمراض والفيروسات لا حدود لها. لذلك، لا يصبح التعاون العالمي الأكبر حاجة عملية فقط وإنما يصبح واجباً أخلاقياً من التعاون. مع ذلك، لا بد لنا من العمل بحسب أفضل تقليد للرعاية الصحية الذي يراعي ويدعم الحق في الحياة للجميع منذ الحمل حتى الوفاة الطبيعية بغض النظر عن العرق والعجز والجنسية والدين والجنس والوضع الاجتماعي والاقتصادي. أما الفشل في وضع تعزيز الحياة في محور قرارات الرعاية الصحية، فإنه يؤدي إلى مجتمع يكون فيه حق الفرد المطلق في الرعاية الصحية والحياة محدوداً من خلال القدرة على الدفع ونوعية الحياة والقرارات الشخصية الأخرى التي تضحي بالحياة والصحة مقابل المصلحة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على المدى القصير.

6. ختاماً، سيدتي الرئيسة، يرغب الكرسي الرسولي في لفت الانتباه إلى الحاجة إلى أكثر من حلول مالية للتحديات التي تفرضها الأزمة الاقتصادية على الجهود العالمية الهادفة إلى تأمين حصول الجميع على الرعاية الصحية. وفي رسالته العامة الجديدة، يقول بندكتس السادس عشر:

"إن النشاط الاقتصادي لا يستطيع حل كافة المشاكل الاجتماعية من خلال تطبيق المنطق التجاري. لا بد من توجيهه نحو السعي وراء الخير العام الذي لا بد من أن تتحمل مسؤوليته الأسرة السياسية بخاصة" (2).

هناك حاجة إلى مقاربة أخلاقية للتنمية تقتضي نموذجاً جديداً من التنمية الشاملة متمحوراً على الإنسان وليس على الكسب ومتضمناً احتياجات وطموحات العائلة البشرية جمعاء.


(1) ديكوك، كيفن (2007)، "تؤدي المنظمات العقائدية دوراً أساسياً في رعاية فيروس نقص المناعة المكتسبة ومعالجته في إفريقيا جنوب الصحراء"، حسبما ورد في بيان صحافي صادر عن منظمة الصحة العالمية، 9 فبراير 2007، واشنطن دي سي.

(2) بندكتس السادس عشر، الرسالة العامة، "المحبة في الحقيقة"، رقم 36.

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة /

Copyright ©2005 marnarsay.com