تعليم الأربعاء لقداسة البابا بندكتس السادس عشر

كاستل غاندولفو، الخميس 20 أغسطس 2009 (Zenit.org). – ننشر في ما يلي التعليم الذي تلاه قداسة البابا بندكتس السادس عشر في باحة القصر الرسولي في كاستل غاندولفو نهار الأربعاء 19 أغسطس 2009.

* * *

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء!

يناسب اليوم التذكار الليتورجي للقديس يوحنا أوديس، الرسول الذي لا يعرف الكلل للتعبد لقلبي يسوع ومريم الأقدسين، والذي عاش في فرنسا في القرن السابع عشر، وهو قرن وسمته ظواهر دينية متعارضة ومشاكل سياسية كبيرة. إنه زمن حرب الثلاثين سنة، التي لم تدمر فقط قسمًا كبيرًا من وسك أوروبا، بل أيضًا أطاحت بالنفوس. وبينما كان ينتشر موقف الاحتقار نحو الإيمان المسيحي من قبل بعض التيارات الفكرية السائدة حينها، أقام الروح القدس تجددًا روحيًا متقدًا، من خلال شخصيات مثل دو بيرول، القديس منصور دو بول، القديس لوي ماري غرينيون دو مونفور والقديس يوحنا أوديس. وكان القديس جان ماري فيانيه من بين ثمار قداسة هذه المدرسة الفرنسية الكبرى. وبفضل عمل سري للعناية الإلهية، أعلن سلفي المكرم بيوس الحادي عشر في 31 مايو 1925 قداسة يوحنا أوديس وخوري آرس سوية، مقدمًا للكنيسة وللعالم بأسره مثالين مميزين من القداسة الكهنوتية.

في إطار السنة الكهنوتية، يطيب لي التوقف للتشديد على الغيرة الرسولية التي تحلى بها يوحنا أوديس، وخصوصًا في ما يتعلق بتنشئة الكهنة الأبرشيين. القديسون هم التفسير الحق للكتاب المقدس.فقد تأكدوا، من خلال خبرة حياتهم، من حقيقة الإنجيل؛ وبهذا الشكل يدخلوننا في معرفة وفهم الإنجيل. إن المجمع التريدنتيني، في عام 1563، قد أصدر مقررات من أجل إقامة الإكليريكيات الأبرشية ومن أجل تنشئة الكهنة، لأنه كان يدرك أن أزمة الإصلاح جاءت أيضًا نتيجة تنشئة غير كافية للكهنة، لأنهم لم يكونوا مهيأين فكريًا وروحيًا، في القلب وفي النفس، للكهنوت بشكل مناسب. هكذا كان الأمر في عام 12563؛ ولكن بما أن تطبيق وتحقيق المقررات تأخر في ألمانيا وفي فرنسا، رأى القديس يوحنا أوديس نتائج هذا التلكؤ. فحركه وعيٌ نبيه لحالة الحاجة القصوى للعون الروحي الذي كانت النفوس تعيشها بسبب عدم كفاءة القسم الأكبر من الإكليروس. ولذا أقام القديس، الذي كان خوري رعية، جماعة رهبانية تعنى بشكل خاص بتنشئة الإكليروس. وأسس في مدينة كاين الجامعية إكليريكيته الأولى، وكانت خبرة نالت الكثير من التقدير، فانتشرت في أبرشيات أخرى. إن مسيرة القداسة التي قام بها والتي عرضها على تلاميذه كانت تقوم على ثقة وطيدة في الحب الذي كشفه الله للبشرية في قلب المسيح الكهنوتي وفي قلب مريم الأمومي.

في ذلك الزمن الغارق في العنف، والذي يعاني من فقدان الحياة الداخلية، توجه القديس إلى القلب، لكي يقول للقب كلمة من المزامير فسرها بشكل جيد القديس أغسطينوس. كان يريد أن يعيد الناس، والرجال وبشكل خاص كهنة المستقبل إلى القلب، كاشفًا قلب المسيح الكهنوتي، وقلب مريم الأمومي. يتوجب على كل كاهن أن يكون شاهدًا ورسولاً لحب قلب المسيح وقلب مريم هذا. وهنا نصل إلى زمننا.

فاليوم أيضًا نعيش في حاجة ماسة إلى أن يشهد الكهنة لرحمة الله اللامتناهية من خلال حياة سباها المسيح، وأن يتعلموا هذا الأمر منذ السنوات الأولى لاستعدادهم في الإكليريات.

إن البابا يوحنا بولس الثاني، بعد سينودس عام 1990، أصدر الإرشاد الرسولي Pastores dabo vobis (أعطيكم رعاة) والذي تطرق فيه إلى مقررات المجمع التريدنتيني وجددها وشدد بشكل خاص على الاستمرارية الضرورية بين الفترة الأولى وبين التنشئة الدائمة؛ فهذا بالنسبة له، وبالنسبة لنا، هو نقطة الانطلاق الحقيقية نحو إصلاح أصيل لحياة ولخدمة الكهنة، وهو أيضًا نقطة محورية لكي لا يكون "التبشير الجديد" مجرد شعار جذاب، بل لكي يُترجم بشكل ملموس. إن الأسس الموضوعة في تنشئة الإكليركيات تشكل "الأرضية الروحية" التي لا غنى عنها والتي فيها "يتعلم المرء المسيح"، ويسمح له أن يصوغه على صورته، هو الحبر الاعظم الأوحد والراعي الصالح.

يجب أن نرى زمن الإكليريكية كإحقاق للحظة حيث يطلب الرب إلى الرسل، بعد أن دعاهم وقبل أن يرسلهم إلى التبشير، أن يكونوا معه (راجع مر 3، 14). عندما يسرد القديس مرقس دعوة الرسل الاثني عشر، يقول لنا أن يسوع كان له غاية مزدوجة: الغاية الأولى أن يكونوا معه، الغاية الثانية أن يرسلهم إلى التبشير. ولكن بذهابهم دائمًا معه، يعلنون حقًا المسيح ويحملون حقيقة الإنجيل إلى العالم.

خلال هذه السنة الكهنوتية أدعوكم إلى الصلاة، أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، من أجل الكهنة ومن أجل من يستعد لقبول هبة كهنوت الخدمة الفائقة.

ختامًا أوجه للجميع تحريض القديس يوحنا أوديس الذي يقول للكهنة: "هبوا نفوسكم ليسوع، لكي تدخلوا في أعماق رحاب قلبه الذي يحوي قلب الأم القديسة وجميع القديسين، ولكي تهيموا في غمر الحب والمحبة والرحمة والتواضع والطهارة والصبر والخضوع والقداسة" (Coeur admirable, III, 2).

بهذا المعنى ننشد الآن سوية صلاة الأبانا باللاتينية.

* * *

نقله من الإيطالية إلى العربية روبير شعيب – وكالة زينيت العالمية (Zenit.org)

 

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة /

Copyright ©2005 marnarsay.com