رحلة العائلة المقدسة لمصر تاريخيا

ملاك الرب يظهر ليوسف فى حلم وقال له :
قم وخذ الصبى وأمه وأهرب لأرض مصر لأن هيرودس مزمع أن يقتل الصبى :

خرج يوسف منفذاً أمر الملاك , واخذ معه سيدة الكل القديسة العذراء مريم وتمطتى حماراً وتحمل على ذراعيها الرب يسوع , ويوسف بجانبهما يقود حماراً (1) وقد صحبتهم أيضاً سالومى (2) وكان لها أسم آخر فعرفت فى الأنجيل بأم أبنى زبدى (3) .

خرج يوسف من بيت لحم بالأراضى المقدسة متجها إلى أرض وادى النيل , وكانت الصورة التى يجب أن نتأملها رجل عجوز يقود حماراً عليه السيدة العذراء حاملة الرب يسوع وخلفهما عجوز أخرى هى سالومى إلى اين يمضى ؟ لم يكن يعلم كيف سيعيش فى أرض غريبة ؟ كيف سيأكل هو ومن معه ؟ أين يحتمى من حر الصيف وبرد الشتاء؟ كان كل همه ان ينفذ وصية الرب التى أتته فى حلم لم يشك فى مواعيد إلهنا لأنه كان عنده رجاء , فتشبة بأب الآباء إبراهيم الخليل الذى أطاع أمر الرب وترك أرضة وعشيرته (4) وخرج وهو لا يعلم إلى أين يأتى (5)

وتأمل آخر يجب أن نتجه إليه بأفكارنا عن هذه الفتاة الصغيرة العذراء مريم ؟ التى تحمل أبنها من المرجح أن عمرها لم يكن يتجاوز 15 سنة وبالرغم من هذا كانت مستعده للتضحية بالهجرة من بين أهلها ووطنها ولسان حالها يقول لأبنها : " أهرب يا حبيبى وكن كالظبى أو كغفر الأيائل على جبال الأطياب" (نشيد الأنشاد 8: 14) فى الصورة الأثرية المقابلة الموجودة فى دير العذراء مريم المعروف بالمحرق تمثل السيد المسيح والسيدة العذراء ويوسف البار ممسكاً براس حمار يقوده , ويظهر فى الصورة والشجرة وأوراقها متدليه منحنية وفى الطرف الشمالى يظهر ملاك متعبداً للرب يسوع المسيح

وحينما خطت خطوات العائلة المقدسة المكونة من أربعة افراد وأبتدات رحلة هروبها ولمست أرجلهم تراب وادى النيل تباركت للوقت أرض مصر هوذا الرب يسوع قادم إلى ارض مصر افرحى يا بنت مصر لأنه جائك ملكا يملك على قلبك إلى الأبد إقبله يا ابن مصر مخلصاً لأنه سيقود شعبك ويسكن معك على أرضك إلى يوم الساعة أقرأ وعد الوحى الإلهى على لسان أشعياء النبى الذى جاء قبل المسيح بمئات السنين عن أن الرب نفسه قد حطم أوثان مصر فقال : " وحى من جهة مصر و هو ذا الرب يركب على سحابة سريعة ويدخل مصر , فترتجف (6) أوثان مصر من وجهه , ويذوب قلب مصر فى داخلها (7) "

وفسر آباء الكنيسة فى مواضع عديدة إن السحابة التى ركبها الرب فى قدومه إلى مصر هى مريم العذراء (8) لأن مريم هى فى بياض السحابة وطهارتها , وفى خفتها ورقتها , وسموًها ورفعتها .

تحطم أوثان مصر أمام إلهها الحقيقى

وإرتجفت اوثان مصر من هيبة الرب يسوع وجلال إلوهيته وقوته , وتزلزلت الأرض تحت أقدامها ومالت بثقلها الحجرى فتحطمت وتكسرت أمام رجلى الصبى القادم غلى مصر وقد روى المؤرخون هذه الحادثة فقالوا : " أن الأصنام كانت تتكسر لدى ظهوره أمامها , والبرابى أقفرت من شياطينها "(9)

وذاب قلوب كهنة الأصنام خوفاً وهلعاً , ودهشة وفزعاً , فهرعوا إلى حكام مصر لينصرهم على القادم الصغير ولكنه لم يكن سلطان الظلمة له سيطرة عليه , وفى أثناء هروب العائلة المقدسة من بلدة إلى أخرى كان يؤمن بعض المصريين بالرب يسوع و ولكنه كان يجد الكره والعداوة من بعضهم ألاخر ومن كهنة الأوثان وخدامها لفقدهم أرزاقهم , فحلت على الأولين بركته وعلى الآخرين هيبته .

وما احلى تعليق دينيس DENYS LE CHARTREUX على أشعياء النبى (أشعياء 19: 1) فقال : " كما تحطم تمثال داجون أمام التابوت المقدس هكذا سقطت تماثيل مصر عند مجئ يسوع , إذ لم تقوى على مواجهة حضورة " (10)

أما المؤرخ بلاديوس PALLADIUS أسقف هيلينوبوليس Helenopolis وهو من رجال القرن الرابع الميلادى ذهب بنفسه إلى إقليم الصعيد إلى " منطقة الأشمونيين " حيث ذهب الرب يسوع مع مريم ويوسف إتماماً لكلام الرب على لسان أشعياء (أشعياء 19: 1) الذى قال : " هو ذا الرب يركب على سحابة سريعة ويدخل مصر , فتتزلزل أوثان مصر من وجهه ويذوب قلب مصر فى داخلها " وقال المؤرخ : " وقد رأينا أيضاً هناك بيت الأوثان حيث سقطت جميع الأوثان التى فيه على وجوهها عندما دخل مخلصنا المدينة "(11)
 

(1) أجمعت كل المصادر الشرقية والغربية أن وسيلة السفر التى حملت السيدة العذراء كانت حماراً , وسار يوسف إلى جانب الحمار ممسكاً بمقوده حسب المتبع فى تقاليد الشرق , ولم تكن هذه الصورة غريبة فى الكتاب المقدس فقد قدمها لنا سفر الخروج واصفاً رجوع موسى النبى من بلاد المديانيين إلى مصر : " فأخذ موسى إمرأته وولديه وأركبهم على الحمير , ورجع إلى أرض مصر وأخذ عصا الله بيده .. " ( الخروج 4: 20"

(2) راجع انجيل كاروز الديار المصرية مرقس (مر15: 40) و (مر16: 1) ومن المصادر التاريخية وغيرها التى التى ذكرت أن سالومى أو سالوما قد صحبت العائلة المقدسة إلى مصر من بيت لحم هى :-

ا- السنكسار القبطى .. وضع الأنبا بطرس الجميل أسقف مليج والأنبا ميخائيل أسقف أتريب , والأنبا يوحنا أسقف البرلس - القاهرة 1936 الجزء الثانى ص 143 تحت اليوم 24 من شهر بشنس .

ب- وفى الذكصولوجية القبطية موجودة فى مكتبة الفاتيكان ورد فيها : " فقام يوسف , واخذ العذراء , والصبى معها وسالومى العجوز" فى الصورة المقابلة النص باللغة القبطية وهى اللغة المكتوبة بالحروف اليونانية والمنطوقة باللغة الفرعونية القديمة

جـ - وفى الدفنار تحت يوم 8 بؤونة حيث يقال نفس العبارة السابقة باللحن الأدام : " ويذكر أسم سالومى مرة أخرى فى اللحن الواطس تحت نفس اليوم .

د - وفى ميمر البابا تاوفيلس بطريرك الأسكندرية من المخطوطات الأثيوبية .

Legends of Our Lady Mary the Perpetual Vergin and Her Mother Hanna. Translated from the Ethiopic Manuscrpts by E.A.W. BUDGE, London, 1922,p. 67.

هـ - ميمر البابا تيوثيئوس بابا الأسكندرية

BUDGE, Legends of Our Lady p. 84.

P. De. LAGARDE, AWBYPTIACA, Gottingen, 1896, F. ROBINSON, Coptic Apocryphal Gospel, in منتديات صخرة  s and Studies, vol. IV, 2 (Cambridge) 1896 p. 133

ز- ورد أيضاً فى كتاب تاريخ الكنيسة القبطية لـ منسى القمص ص3

(3) راجع أنجيل القديس متى ( متى 20: 20) (متى27: 56)

(4) (سفر التكوين 12: 1)

(5) الرسالة إلى العبرانيين 11: 8)

(6) أو فى ترجمة أخرى فتتزلزل

(7) (سفر أشعياء 19: 1)

(8) ورد فى كتاب الدفنار تحت اليوم 24 من يشنس (طرح الآدام) .. " أسبح المسيح مخلصى , وامجد أمه العذراء السحابة الخفيفة التى نزلت إلى مصر , أعنى مريم العذراء القديسة وهى حاملة ربنا يسوع المسيح"

وجاء أيضا فى طرح واطس : " نزل المسيح إلى مصر على سحابة خفيفة , التى هى مريم والدة الإله القديسة , ومخلصنا يسوع المسيح راكباً على ذراعيها الطاهرين وهو طفل صغير كتدبيره .. "

راجع أيضاً كتاب " ألمة القبطية وكنيستها الرثوذكسية " بقلم الإرشيدياكون فرنسيس العتر , القاهرة - سنة 1953 ص 11

(9) راجع مقال " دخول السيد إلى مصر " للأب يعقوب موزر - مجلة الصلاح - مايو 1933 ص 235

(10)" Comme I' idole de Dagon se brisa devant I'arche saint, ainsi les idoles de I' Egypte tombe'rent a' Ia'rrive'e de Je'sus, ne pouvant supporter sa pre'sence".

M. JULLIEN. L'Egypte, p. 243.

(11) PALLADIUS. The Paradius, london. 1906 vol, p. 304.
 

Copyright ©2005 marnarsay.com